أحمد بن محمود السيواسي
169
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
التورية بسبب بغيهم وظلمهم لقوله تعالى « فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ » « 1 » الآية ، وليس بتحريم قديم كما يدعونه فان جحدوا ذلك ( قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها ) ليظهر صدقهم ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) [ 93 ] فيما تزعمون فأبوا عن اتيانها لما بهتوا وعرفوا أنه حق بالوحي وما قالوه افتراء على اللّه فقال تعالى ( فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ ) أي اختلق عليه ( الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) أي بعد لزوم الحجة القاطعة ( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [ 94 ] أي الذين لا ينصفون أنفسهم بسبب المكابرة والعناد . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 95 إلى 96 ] قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 95 ) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) ثم أمر نبيه تعريضا بكذبهم فقال ( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ) إن تحريمه ليس في التورية ( فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ) أي ملة الإسلام ( حَنِيفاً ) أي مخلصا في إسلامه مستقيما في سبيله ( وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ 95 ] أي على دينهم ، فكلوا لحوم الإبل وألبانها كما أكل إبراهيم ، ولا تحرموا على أنفسكم شيئا بأهوائكم التي أفسدت دينكم ودنياكم بتحريف كتاب اللّه لتسوية أغراضكم لأن يكون التحريم قديما ، والتورية ناطق بأنه تحريم حادث بسبب ظلمكم وتحريم الطيبات التي أحلها اللّه لإبراهيم ولمن « 2 » تبعه ، وصلوا إلى بيت اللّه الذي بناه إبراهيم بالوحي ، وفيه آيات كثيرة تدل على نبوة إبراهيم وصحة دينه لقوله تعالى ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ) مجهولا ، والواضع اللّه ، قيل : نزل حين قالت اليهود قبلتنا بيت المقدس « 3 » ، قيل : قبلتكم فهو أحق بالصلاة إليه فرد اللّه قولهم بذلك « 4 » ، روي : أن الملائكة بنته ولما حجه آدم قالت له بر حجك يا آدم قد حججناه قبلك بألفي عام « 5 » ، وقال النبي عليه السّلام : « إن المسجد الحرام وضع قبل الأقصى بأربعين سنة » « 6 » ، وقيل : « هو أول متعبد في الأرض » « 7 » ، وقيل : أول من بناه آدم « 8 » ، وقيل : أول من بناه إبراهيم ثم بناه قوم من العرب في اليمن من أصهار إسماعيل عليه السّلام ، ثم بناه قوم من أولاد عمليق بن لاوذ ، ثم بناه قريش « 9 » ، وخبر « إن » قوله ( لَلَّذِي بِبَكَّةَ ) أي بمكة ، والباء تبدل من الميم ، يقال سبدته وسمدته إذا استأصلته ، من البك ، وهو الازدحام وسمي بها ، لأن الناس يزدحم بعضهم بعضا ، وقيل : « بكة موضع البيت ومكة البلد حوله » « 10 » ( مُبارَكاً ) حال من ضمير « وُضِعَ » ، أي كثير الخير للناس لحصول « 11 » الثواب لهم بالطواف والصلاة والعكوف عنده ومغفرة لذنوبهم ( وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ) [ 96 ] عطف على الحال ، أي حال كونه سببا لهدايتهم ، لأنه قبلتهم يصلون إليها لأجل عبادة اللّه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 97 ] فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 97 ) ( فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ ) أي علامات واضحات ، قوله ( مَقامُ إِبْراهِيمَ ) عطف بيان لقوله « آياتٌ بَيِّناتٌ » ، وهو مفرد في معنى الجمع لما فيه من ظهور شأن إبراهيم من تأثير قدمه « 12 » في حجر صلد ، وظهور نبوته وقوة دلالته على قدرة اللّه تعالى ، ولأن ألانه بعض الحجر دون البعض آية وإبقاؤها دون سائر آيات الأنبياء عليهم السّلام آية لإبراهيم خاصة وحفظه مع كثرة أعدائه من الكفار ألوف سنين آية ، فيكون مقام إبراهيم مشتملا على الآيات ( وَمَنْ دَخَلَهُ ) أي حرم البيت ( كانَ آمِناً ) كقوله تعالى « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً » « 13 » ، ويتخطف الناس من
--> ( 1 ) النساء ( 4 ) ، 160 . ( 2 ) لمن ، ب م : بمن ، س . ( 3 ) عن مجاهد ، انظر الواحدي ، 98 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 509 - 510 . ( 4 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 5 ) نقله عن البغوي ، 1 / 510 . ( 6 ) أخرجه مسلم ، المساجد ، 1 ، 2 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 510 - 511 ؛ والكشاف ، 1 / 188 . ( 7 ) عن الحسن والكلبي ، انظر البغوي ، 1 / 510 . ( 8 ) هذا القول لابن عباس ، انظر البغوي ، 1 / 510 . ( 9 ) أخذه عن الكشاف ، 1 / 188 . ( 10 ) عن الزجاج ، انظر السمرقندي ، 1 / 286 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 511 . ( 11 ) لحصول ، ب س : بحصول ، م . ( 12 ) قدمه ، ب س : قدميه ، م . ( 13 ) العنكبوت ( 29 ) ، 67 .